رِحلةُ لحراطين من القمّة إلي القاع ..

أربعاء, 07/17/2019 - 21:39

هممتُ أكثر من مرة بالكتابة عن تاريخ لحراطين في الشمال الإفريقيٍ، التاريخُ الغائب أو المُغيّب عن المقررات الدراسية كما غُيّبت تواريخ ولُغاتُ الأعراق غيرِ العربية في موريتانيا غيرِ المُتصالحة مع ذواتهِا ..

وفي كل مرة أتراجع، ولكن لا بأس الآن بذكر شذرات ولو قلّتْ من التاريخ القديم المنسيّ ..

لحراطين عبارةٌ منحوتةٌ من الكلمة الأمازيغية " أحرطن " أو "إيحراضنْ " وكلاهما تعني الخلاسيّ، أيْ الأمازيغيّ صاحب العرق المختلط، الذي له خؤولة من الأحباش الإثيوبيينَ أو العكس ..

وهم أول من سكن الأراضي الموريتانية الحالية، قدموا إليها مُدشّنين طريقَ عربات الخيولِ المُنطلق من الصحراء الليبية مروراً بالجزائر فالجنوب المغربي، وصولاً إلي الشمال الموريتاني، ومنه إلي تگانت الحالية فالحوضين، وانتهاء بنهر النيجر، وهو ذاتُ الطريق اللمتوني الذي اشتهر محلياً بطريق الملحِ الرابط بين الحوضين جنوبا، وآدرار شمالاً ..

هؤلاء لحراطين، ينحدرون عرقياً من البربر الأمازيغ البيض، وتحديداً من قبائل الجرمنتْ التي اختلطت بالأحباش الإثيوبيين ذوي البشرة السوداء، وقد انزاحَ الجرمنتيون إلي موريتانيا الحالية بعد إسقاط الرومان لمملكتهم العُظمي التي كانت تقعُ بالجنوب الغربيّ الليبيّ، ومعالمُ عاصمتها " جرمة " لا تزال شاهدة في منطقة وادي الآجال علي قرونٍ من العطاء ..

وقد ظل الأمازيغ يحافظون علي قرابتهم ببني عمومتهم من الإيحراضن، وحين بدأت إرهاصات تأسيس الدولة المرابطية كان لحراطين حاضرون بقوة إلي جانب أبناء عمومتهم من صنهاجة، فكان منهم قادة ووُلاةٌ علي كبريات الحواضر الإسلامية، كحاضرة " تلمسان " التي كانت تحت سلطة الوالي أبي يزيد الحرضاني، وكان ابنه أبو عبد الله رئيسَ ناحية أخري ..

وفي تاريخ ما قبل المرابطين، نجد أن أسلافَ لحراطين لم يتأقلموا بعد العزّ مع الهوان بسهولة، فما إنْ انهارت مملكتهم " جرمة " وانْزاحوا صوبَ نهر النيجر مرورا بالأراضي الموريتانية حتي شرعوا في تأسيس مملكتين كانت لهما الكلمة الفصل في ذاك الزمان، إذْ هم المؤسسون الأوائل لمملكة غانا التي سيطرت علي الأطراف الشرقية من موريتانيا الحالية، ومملكة مالي ذاتِ الصيتِ الخالد في أعماق التاريخ ..

وقد وصف المؤرخ التّـنْبكتيّ عبد الرحمن السعديّ في كتابه  " تاريخ السودان " أسلافَهم بالمهاجرين من البربر الأمازيغ الأوائل، الفوجُ الأول القادم من بربر الشمال ..

ومع مرور الزمان وتقلُّب الأحوال وانتكاسات الممالك وكثرةِ تداخل الأعراق، خرج الإيحراضن من رحم التاريخ كما نراهم، سود البشرة، وكان ذلك جانباً مما دفع لاحقاً أبناءَ عمومتهم إلي التعالي عليهم، لمحافظة هؤلاء علي صفاء عرقهم الأمازيغيّ الأبيض، وتفريط أولئك ..

وقد شكّل الفتح الإسلامي العربي مُتنفساً للأمازيغ البيض لسهولة انصهارهم في العرب لتشابه السحنات، فتقوّي السكان الأصليون بالفاتحين، بينما تم سحق الإيحراضن اقتصادياً واجتماعياً مع مرور الوقت لصعوبة الإنصهار !..

والناسُ لآدم، وآدمُ من تراب ..

#شذرات

_________

راجعوا :

1_ جمهورية الرمال ص 145 فما بعدها ..

2_ تاريخ بلاد شنگيط، فصل سكان موريتانيا القدماء، ص 20 فما بعدها ..

3_ حاشية تاريخ السودان للمؤرخ التّنبكتيّ عبد الرحمن السعدي، الباب الرابع، باب مملكة مالي، ص 80 فما بعدها ..

4_ الرسالة الغلاوية ص 45 فما بعدها ..

منطقة المرفقات

القسم: 

المتصلون الأن

There are currently 0 users online.